الفرق بين يفعلون ويعملون ويصنعون في نهايات الآيات

الفرق بين يفعلون ويعملون ويصنعون في نهايات الآيات

أولاً- الفعل لفظ عام ، وهو عبارة عن إيجاد الأثر في الشيء من غير بُطْءٍ ؛ سواء كان عن سبب ، أو غير سبب، ويقال لما كان بإجَادَةٍ وبدونها ، ولما كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد ، ولما كان من الإنسان والحيوان والجماد، ويقول الشعراوي رحمه الله (ان لكل جارحة فعل ففعل الاذن السمع وفعل الانف الشم وهكذا الا اللسان فإن فعله قول، فالفعل من الجوارح والقول من اللسان يسمى عمل، يبينه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) الصف .
ثانيًا- أما العمل فهو عبارة عن إيجاد الأثر في الشيء ببطء مع امتداد زمان، وما كان بقصد وعلم، فيقال : فلان يعمل الطين خزفًا، ويعمل الأديم سقاء وهكذا. ولا يقال يفعل ذلك؛ لأن فعل ذلك الشيء هو إيجاده من غير بطء، في قوله تعالى : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ (سبأ: 13) ، فعبَّر عن ذلك بفعل (العمل) لأن إيجاد المحاريب والتماثيل والجفان لا يكون إلا بامتداد زمان؛ وكذلك عمل الشكر. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ (يس: 71)، فعبر عن ذلك بفعل ( العمل ) لأن خلق الأنعام لا يكون إلا بامتداد زمان.
وقد وردت آيات كثيرة تبين أن الفعل مختلف عن العمل قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل: 1) ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ (الفجر: 6)، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ (إبراهيم: 45)، فعبَّر عن ذلك كله بلفظ ( الفعل ) ؛ لأنها إهلاكات وقعت من غير بطء ؛ وكذلك قوله تعالى في وصف  الملائكة ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 50) أي : يفعلونه في طرفة عين.
والمتأمل في قوله تعالى: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: 25) ، وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77) ، كيف عبَّر في الأول بفعل ( عملوا )، حيث كان المقصود المثابرة على عمل الصالحات لا الإتيان بها مرة واحدة  أو بسرعة، وكيف عبَّر في الثاني بفعل ( وافعلوا ) ، حيث كان المقصود سرعة الإتيان بالخير  وكأنه قال: سارعوا في فعل الخير ؛ كما قال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (المؤمنون: 4)، فأخبر عنهم بقوله فاعلون لأن المقصود من ذلك أنهم يأتون بها على وجه السرعة من غير توان أو بطء.
ثالثًا- وأما الصنع فإنه للإنسان دون غيره، ولا يقال إلا لما كان بإجادة؛ ولهذا يقال للحاذق المجيد والحاذقة المجيدة: صَنَعٌ ، وصَنَاعٌ. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: 88). وقال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: 37). وقال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ (طه: 69)، فعبَّر عن ذلك كله بفعل (الصنع)؛ لأن ذلك يتطلب الإجادة والإتقان.
والصنع لا يكون الا بفكر وتدبر لشرف فاعله، والفعل يكون بلا فكر لنقص فاعله. والعمل لا يكون إلا بفكر لتوسط فاعله. واما الصنع فانه أخص المعاني الثلاثة، والفعل أعمها، والعمل أوسطها. فيمكننا أن نقول بأن كل صنع عمل، وليس كل عمل صنعًا. وأن كل عمل فعل، وليس كل فعل عملاً.
ولعلك إن وقفت عند هذه الآية في سورة الزمر {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} الزمر 70، فعندما ذكر الله سبحانه وتعالى توفية العمل يوم القيامة عبر بالعمل الذي لا يكون إلا مع العلم والقصد، ولكن عندما تكلم عن علمه سبحانه وتعالى خصه بقوله "وهو أعلم بما يفعلون" لأن علم الله أعم وأشمل فإنه يعلم ما يعملون من حسنات وسيئات بقصد منهم أو بدون قصد وما هو بداخل النفس.
وحتى تكتمل الفائدة تعالوا معي في رحاب آيات القرآن لنتذوق معاً معان ثلاث في آيات ورد فيها كلمة يصنعون فقد جاءت يصنعون في آيات منها:
الآية الأولى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} المائدة 14، يتكلم الله سبحانه وتعالى عن النصارى بعد ما تحدث عن اليهود، ويقول في حقهم أنه سبحانه وتعالى قد أخذ ميثاقهم كما أخذ من الذين من قبلهم ولكنهم تركوه ترك الناسي له فسوف ينبئهم الله يوم القيامة (بما كانو يصنعون)، وسماها الله صناعة لمّا كانت الخيانة قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها وتدربوا عليها حتى صارت لهم احوالا لأنفسهم وأخلاقا لقلوبهم. أي دربوا أنفسهم عليها حتى صارت لهم صنعة. (كتاب نظم الدرر)، وليس هذا وحسب بل اختلفوا فيما بينهم لاختلاف أهوائهم فكأنهم مدارس غواية تختلف كل مدرسة عن غيرها في كيفية التعاطي والتعامل كالتخويف والتطميع وما يسمى اليوم سياسة العصا والجزرة، فاختلاف مدارس التضليل لا يعني ان هناك فرق بين هذه وتلك لا من حيث القرب ولا من حيث الحب بالنسبة للمؤمن.
الآية الثانية {{لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} المائدة 63، نلاحظ أن في هذه الآية قول الحق تبارك وتعالى لبئس ما كانوا يصنعون والآية التي قبلها من نفس السورة لبئس ما كانوا يعملون {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} المائدة 62، كثيراً منا يلتبس عليه ختام هاتين الآيتين في نفس السورة ونفس الصفحة ومتتاليتين، فاننا حين نتذوق الفرق بين هذه الكلمات حين ندرك معناها لا بسأل لماذا قال الحق جل في علاه في حق الربانيين والأحبار لبئس ما كانوا يصنعون وفي حق العامة لبئس ما كانوا يعملون؟؟ فالأحبار والربانيون عندهم من العلم ما ليس عند العامة فكانت مسارعتهم لهذه الافعال عن دراية وعلم، وهذه المسوح التي تلبسوا بها ما هي إلا هالة يحاولون التستر بها ليلبسوا على الناس دينهم، واقرأ معي قول الحق: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الانعام، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) النساء، وليس هذا شأنهم لوحدهم بل هو شأن كل من علم ووعى ما علم ثم آثر الحياة الدنيا واتخذ من علمه وسيلة تكسب، فهذه صنعته. ونسأل الله الثبات وقد شبهه ربنا عز وجل فقال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) الاعراف.
الآية الثالثة {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} مطلع سورة طه يكشف عن رحمة الله ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته. فجاءت القصة مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة; وتضمن نماذج من رعاية الله لموسى عليه السلام وتثبيته وتأييده; وتشير إلى سبق هذه الرعاية للرسالة، فقد كانت ترافقه في طفولته، فتحرسه وتتعهده: (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني) وليس هذا فقط ولكن ((وأنا اخترتك). فيا للتكريم! يا للتكريم أن يكون الله بذاته هو الذي يختار. يختار عبدا من العبيد هو فرد من جموع الجموع. تعيش على كوكب من الكواكب هو ذرة في مجموعة. المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له الله: كن .. فكان! ولكنها رعاية الرحمن لهذا الإنسان وتكرم واي تكريم ليؤدي المهمة التي صنع لأجلها وليست له وحده ولكنها لكل من تلبس بهذا الفعل فهو من المخلَصين الذين قال الله بحقهم (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) الصافات، وحتى الشيطان أقر بأنه لا يقدر عليهم لحفظ الله لهم (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) الحجر، هذا في الدنيا واما في الآخرة (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) الصافات.
ومن أجمل ما قرأت في تفسير هذه الآية ({وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} ولا أريد ان اعقب او اعلق فانقلها كما هي على لسان اصحابها في ظلال القرآن يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} سورة طه41" يعني خالصًا مستخلصًا ممحضًا لي ولرسالتي ولدعوتي .. ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا. إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها واصطنعتك لتؤديها.. فما لك في نفسك شيء .. وما لأهلك منك شيء، وما لأحد فيك شيء.. فامض لما اصطنعتك له".
ويقول صاحب تفسير السعدي- رحمه الله أي: "أجريت عليك صنائعي ونعمي، وحسن عوائدي، وتربيتي، لتكون لنفسي حبيبا مختصا.. وتبلغ في ذلك مبلغا لا يناله أحد من الخلق ، إلا النادر منهم..

وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين، وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك، فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم، وما تحسبه يفعل بمن أراده سبحانه لنفسه، واصطفاه من خلقه! ونسال الله ان نكون منهم.

حديث رمضان 15
جواد عبد المحسن

إرسال تعليق

0 تعليقات