يعرفونه كما يعرفون ابناءهم

 

يعرفونه كما يعرفون ابناءهم

قال تعالى :{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} سورة البقرة الآية :146

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا دخل النار). رواه الإمام مسلم.

ما الدلالات على أن محمدا - صلى الله عليه وسله - مذكور في التوراة والإنجيل، ليوصف أهل الكتاب بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ؟

أولا: تصريح القرآن بذلك:

قال تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [سورة الأعراف الآية: 157 ].وقال تعالى : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }[ سورة البقرة الآية: 89 ].

وقال تعالي: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [سورةالأعراف الآية: 157 ].

ثانيا: تصريح القرآن ببشارة الأنبياء عليهم السلام:

فقد بشر به عيسى عليه السلام قال تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين)، بل أخذ العهد والميثاق على جميع الأنبياء لئن بعث محمد ليؤمنن به، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ }[ سورة آل عمران الآية: 81].

ثالثا: شهادة من أسلم من علماء بني إسرائيل:

ومن ذلك أن عالم اليهود وابن عالمهم وسيدهم وابن سيدهم عبد الله بن سلام كان فوق نخلة له يجدها، فسمع رجة فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدم. فألقى بنفسه من أعلى النخلة ثم خرج.

فكان فيمن انجفل إليه، يقول عبد الله بن سلام: فلما تبينت وجهه ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يقوله: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).

ثم رجع فقالت له أمه: لله أنت !! لو كان موسى بن عمران عليه السلام ما كان بذلك تلقي نفسك من أعلى النخلة. فقال : والله لأنا أشد فرحا بقدوم رسول الله من موسى إذ بعث.

ثم جاءه بعد ذلك فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبرني بهن جبريل آنفا). قال: جبريل ؟!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم). قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة.

فقال: أما أول أشراط الساعة؟ فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة؟ فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت). فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم ؟). قالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟). فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال ابن سلام: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.

و شاهد آخر في موقف (ضغاطر) كبير الأساقفة زمن هرقل، عندما أرسل إليه هرقل بكتاب النبي صلى الله عليه وسله يستشيره فيه، فقال الأسقف: هذا الذي كنا ننتظر، وبشرنا به عيسى عليه السلام أما أنا فمصدقه ومتبعه. فقال له قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي. ثم قال الأسقف لرسول النبي صلى الله عليه وسلم: خذ هذا الكتاب واذهب إلى صاحبك، فأقرئ عليه السلام، وأخبره أني أشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله، وأني قد آمنت به وصدقته، وأنهم قد أنكروا على ذلك. ثم خرج إليهم فقتلوه.

رابعا: إخبار علمائهم، بصفته ومكانه ووقت خروجه:

وهو ما كان سببا في إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه.

وكان رهبان النصارى يخبرون من يسألهم عن الدين الحق بزمان ومكان نبي آخر الزمان، فقد رحل زيد بن عمرو الباحث عن الحقيقة من مكة إلى الشام يطلب دين إبراهيم عليه السلام ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل، ثم أقبل فجال الشام كله حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء – قرية بالشام -،كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية في بلاده، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم؟ فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه - وقد كان رفض اليهودية والنصرانية - فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم هجموا عليه فقتلوه.

 

خامسا: مواقف ملوكهم وزعمائهم من دعوته:

إسلام النجاشي رضي الله عنه، وإقرار هرقل بالنبوة لكنه لم يسلم، ومثله ما كان من المقوقس ملك مصر وكان نصرانيا، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جاريتين، وبغلة تسمى (الدلدل)، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم هديته، واصطفى الجارية الواحدة واسمها مارية القبطية لنفسه، فولدت منه إبراهيم، وأعطى الأخرى لحسان بن ثابت، فولدت منه عبد الرحمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه).

وممن أسلم من نصارى العرب، وكان من أشرافهم عامل الروم على من يليهم من العرب فروة بن عمرو الجذامي، لما رأى من آيات، وعلامات دلت على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، وبعث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلامه ولم ينقل أنه اجتمع به، وأهدى له بغلة بيضاء، فبلغ الروم إسلامه، فطلبوه فحبسوه، ثم قتلوه.

سادسا: إخبار من اطلع على كتبهم بأنه مذكور فيها:

ويشهد له ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة حيث قال: وهو موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا.

وشاهد آخر حدث في خلافة عمر رضي الله عنه، قال أبو العالية: لما فتح المسلمون تستر، وجدوا دانيال عليه السلام ميتا، ووجدوا عنده مصحفا، قال أبو العالية: أنا قرأت ذلك المصحف وفيه: صفتكم، وأخباركم، وسيرتكم، ولحون كلامكم.

سابعا: المكذبين والجاحدين لنبوته:

يكون هو جاء ذكره، وجاءت صفته وصفة أمته، ومكان وزمن خروجه في كتبهم، لكنهم جحدوا أن المقصود، وأنه نبي آخر غيره حسدا من عند أنفسهم وكبرا وعلوا، يبين ذلك ما رواه رجل من الأوس اسمه سلمة بن سلامة، قائلا: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل، وأنا يومئذ حدث – يعني صغير - علي بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك في أهل يثرب، والقوم أصحاب أوثان، بعثا كائنا بعد الموت.

فقالوا له: ويحك! أترى هذا كائنا يا فلان، إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به. قالوا: يا فلان ويحك! ما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من لم يمكنهم إنكار البشارة والإخبار بنبوة نبي عظيم الشأن كمحمد عليه الصلاة والسلام، نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى مكة، قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي، وأنا أصغرهم سنا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله، ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تبارك وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر بغيا وحسدا، فقلنا له: ويحك يا فلان! ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكنه ليس به.

وكان عمر يذهب إلى يهود، ويأتيهم، يقول عمر رضي الله عنه: فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا: يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. قال قلت: إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان؟! قال: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ابن الخطاب! ذاك صاحبكم فالحق به.

فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، واستودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟؟ قال: فسكتوا!! فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم، فأجيبوه. قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ أنشدتنا به، فإنا نعلم أنه رسول الله!

قلت ويحكم! - أي هلكتم - قالوا: إنا لم نهلك. قال: قلت كيف ذاك ؟ وأنتم تعلمون أنه رسول الله، ثم لا تتبعونه، ولا تصدقونه؟!!

قالوا: إن لنا عدواً من الملائكة وسلما من الملائكة، وإنه قرن به عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم، ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل.

ما جاء في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة أن الله تعالى خاطب إبراهيم عليه السلام: (وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك. قد باركت فيه. وأثمره، وأكثره جدا جدا).


ثامنا: أن من أهل الكتاب من صرح لخاصته وبطانته بأنه هو بعينه:

فهذا ورقة بن نوفل، وكان قد خرج لَّما كره عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسأل عن الدين، فأعجبه دين النصرانية فتنصر، وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل، وتعلم منهم، فجاءته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أخبرها بنزول الملك عليه، فقالت خديجة رضي الله عنها لورقة: يا بن عم! اسمع من بن أخيك تعني النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال له ورقة: يا بن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجي هم؟) قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي.

وهذا كعب بن أسد - سيد بني قريظة - ينصح قومه، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد نقضهم للعهد الذي بينهم وبينه، وتحزبهم مع الأحزاب ضد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ فكان مما عرضه عليهم، قوله: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله، لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وإنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فرفضوا وأبوا.

تاسعا: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مذكور في كتبهم:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي التي رأت). ومعنى منجدلٌ في طينته: أي مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح بعد.

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.. [البقرة : 146].

الله تبارك وتعالى يقول إن الذين جاءهم الكتاب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفونه.. يعرفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه ورسالته التي يحاولون أن يشككوا فيها؟ الله سبحانه وتعالى يشرح لنا ذلك في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين}.. [البقرة: 89].

فكأن اليهود والنصارى يعرفون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.. ومكتوب في التوراة والإنجيل أنه الحق ومطلوب منهم أن يؤمنوا به.. إن كعب الأحبار كان جالسا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان موجودا فسأله عمر أكنتم تعرفونه يا كعب؟ أي أكنتم تعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ورسالته وأوصافه؟ فقال كعب وهو من أحبار اليهود.. أعرف كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد.. فلما سألوه لماذا؟ قال لأن ابني أخاف أن تكون امرأتي خانتني فيه أما محمد (صلى الله عليه وسلم) فأوصافه مذكورة بالدقة في التوراة بحيث لا نخطئه.

إذا فأهل الكتاب يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرفون زمنه ورسالته.. والذين أسلموا منهم وآمنوا فعلوا ذلك عن اقتناع، أما الذين لم يؤمنوا وكفروا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا ولكنهم كتموا ما يعرفونه.. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.. وساعة تقول كتم الشيء.. فكأن الشيء بطبيعته كان يجب أن يبرز وينتشر.. والحق بطبيعته لابد أن يبرز وينتشر ولكن إنكار الحق وكتمه يحتاج إلى مجهود.

إن الذين يحققون في القضايا الدقيقة يحاولون أن يمنعوا بالقوة ما يكتمه الشخص فيجعلونه لا ينام حتى تنهار قواه فينطق بالحقيقة.. لأن النطق بالحق لا يحتاج إلى مجهود، أما كتم الحق فهو الذي يحتاج إلى مجهود وقوة، وعدم النطق بالحق عملية شاقة.. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: {لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.. أي أنهم ليسوا جاهلين ولكنهم على علم بالحقيقة.. والحق من الله فهل يستطيع هؤلاء كتمانه؟ طبعا لا، لابد أن يظهر.. فإذا انتشر الكذب والباطل فهو كالألم الذي يحدث في الجسد.. الناس تكره الألم ولكن الألم من جنود الشفاء لأنه يجعلك تحس أن هناك شيئا أصابه مرض فتتجه إليه بأسباب العافية.

 

إن أخطر الأمراض هي التي لا يصاحبها ألم ولا تحس بها إلا بعد أن يكون قد فات وقت العلاج.. والحق دائما غالب على أمره ولذلك لا توجد معركة بين حقين.. أما الباطل فتوجد معركة بين باطل وباطل. وبين حق وباطل. لأنه لا يوجد إلا حق واحد أما الباطل فكثير.

والمعارك بين الحق والباطل تنتهي بهزيمة الباطل بسرعة.. ولكن الذي يطول هو معركة بين باطلين.. ولذلك فإن معارك العصر الحديث تطول وتتعب الدنيا.. فمعارك الحرب العالمية الثانية مثلا لازالت آثارها ممتدة حتى الآن في الحرب الباردة وغير ذلك من الحروب الصغيرة.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".

قام أبو يزيد البسطامي يتهجد الليل فرأى طفله الصغير يقوم بجواره فأشفق عليه لصغر سنه و لبرد الليل و مشقة السهر فقال له :ارقد يا بني فأمامك ليل طويل ,فقال له الولد: فما بالك أنت قد قمت؟فقال: يا بني قد طلب مني أن أقوم له ,فقال الغلام : لقد حفظت فيما انزل الله في كتابه: "ان ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل و نصفه و ثلثة و طائفة من الذين معك" فمن هؤلاء الذين قاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم؟

فقال الاب: انهم اصحابه ,فقال الغلام : فلا تحرمني من شرف صحبتك في طاعة الله ,

فقال أبوه وقد تملكته الدهشة , يا بني أنت طفل و لم تبلغ الحلم بعد ,فقال الغلام : يا أبت إني أرى أمي و هي توقد النار تبدأ بصغار قطع الحطب لتشعل كبارها فأخشى أن يبدأ الله بنا يوم القيامه قبل الرجال إن أهملنا في طاعته ,فانتفض أبوه من خشية الله و قال : قم يا بنى فأنت أولى بالله من ابيك.

 


إرسال تعليق

0 تعليقات