سماحة الإسلام مع غير المسلمين




سماحة الإسلام مع غير المسلمين


لقد راعى الإسلام السماحة أيضًا في معاملة المسلمين لغيرهم من أصحاب العقائد الأخرى، فقال الله: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، فنرى في الآية كيف ميَّز الإسلام بين المحاربين له، وغيرهم ممن لا ينتصبون لقتاله، بل قرر الإسلام حماية أهل الذمة والمستأمنين ما داموا في دار الإسلام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة"[ رواه البيهقي.].

ويتضح ذلك في فتح مكة حينما دخلها رسول الله والمسلمون، وقد أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم سادة مكة، فقال لهم: "ما تظنون أنى فاعلٌ بكم" قالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم. فقال قولته المشهورة والتي دان له بها أهل قريش من المشركين بعد فتح مكة، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

وها هو (عمر بن الخطاب) يعيد التاريخ ثانية حينما فتح بيت المقدس، ووقَّعَ وثيقة بينه وبين سكان البلدة والتى ذكر جزء منها القس (كولن تشابمان)[2] فيكتابه (القدس لمن؟): "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو الضمان الذى مُنح لسكان "آيليا" من قِبَل خادم الله عمر، فهو يُؤَمنُهم على أشخاصهم، وبضائعهم، وكنائسهم، وصلبانهم -سواء كانت هذه في حالة سيئة- وعلى عبادتهم بصفة عامة.. ولن تُصادر كنائسهم أو تُدمر... ولن تُفرض عليهم أي قيود في موضوع الدين، ولن يتعرض أحد منهم للمضايقة... ".

فنظرة اليهود لتلك الوثيقة سجلها المؤرخ (أنجليوس رابوبورت) في مؤلفه (تاريخ فلسطين Histoire de Palestine) فقال: "يجب أن نعترف بأن إعلانًا كهذا في بداية القرن الوسيط -وقد التزمت به كل الجيوش الإسلامية عامة- هو إعلان حافل بالإنصاف، فهو يتنفس عدالة وتسامحًا، وما استطاع أباطرة بيزنطة ولا أساقفة الكنيسة أن يُعبِّروا مُطلقًا عن مشاعر من هذا القبيل باسم ذلك الذى دعاهم إلى دين الحب.. فإن وثيقة كإعلان الخليفة كانت كفيلة بإحداث تأثير عميق، لا في روح اليهود فحسب، بل في روح نصارى سورية وفلسطين، وبعضهم كان يعانى من الظلم والطغيان، في حين كان الآخرون يعانون من اضطهاد الكنيسة التابعة لدولة جَرَّاءَ ما يعتنقون من آراء دينية مختلفة، وكان الجميع يتحملون أغلال الموظفين وأعباء الضرائب الباهظة".

ويتجدد اللقاء تارة أخرى مع القدس، ولكن تلك المرة مع (صلاح الدين الأيوبي) القائد المسلم، والذى حررها تارة أخرى من أيدى الصليبيين، وفيما يلى يُبيِّن (جيمس ريستون) بإيجاز الطريقة التي استرد بها (صلاح الدين) مدينة القدس. فيقول: "بالسلوك المثالي عندما تولوا المسئولية في القدس سنة 1187م، اكتسب (صلاح الدين) مديحًا كثيرًا باعتباره قائدًا حكيمًا، وبصفة خاصة بالمقارنة مع الدمار والفوضى اللذين أحدثهما الصليبيون الأوائل عند غزوهم هذه المدينة سنة 1099م، وبحمايته كنيسة القبر المقدس والمواقع المسيحية المقدسة الأخرى، وتسامحه مع الديانات الأخرى بقيت هذه الأمور عالقة بالأذهان لزمن طويل، ويبدو أن أعماله كانت تحدد ما المقصود من أن يكون المرء مسلمًا صالحًا، وبصفحهِ عن أعدائه، وأعمال الخير الأخرى التي عملها معهم احتفظ لنفسه إلى الأبد بسُمعة طيبة لإنسانيته وحكمته".

وفى هذا الصدد نجد (سير توماس أرنولد) في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) يقول: "وإذا نظرنا إلى التسامح الذى امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي، ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة التصديق... وإنما كان يدفع الناس إلى الإسلام بقوة ويجذبهم إليه هي تلك العقيدة"، ويقول: "وقد نجد عوامل أخرى ساعدت على تناقص الشعب المسيحي في الحقيقة.. ولكننا لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن اضطهاد منظم قُصد منه استئصال الدين المسيحي، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها (فرديناند، وإيزابيلا) دين الإسلام من إسبانيا، أو التي جعل بها (لويس الرابع عشر) المذهب البروتستانتي مذهبًا يعاقب عليه متبعوه في فرنسا، أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مُبعدين عن انجلترا مدة ثلاث مائة و خمسون سنة.








إرسال تعليق

0 تعليقات